القرطبي

392

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بهم بريح طيبة " ( 1 ) [ يونس : 22 ] . وقال أهل البصرة . أخبر عنهم بقوله " ألم يروا " وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه ، ثم خاطبهم معهم ، والعرب تقول : قلت لعبد الله ما أكرمه : وقلت لعبد الله ما أكرمك ، ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم . ويجوز مكنه ومكن له ، فجاء باللغتين جميعا ، أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا . ( وأرسلنا السماء عليهم مدرارا ) يريد المطر الكثير ، عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل ، ومنه قول الشاعر : ( 2 ) * إذا سقط السماء بأرض قوم * و " مدرارا " بناء دال على التكثير ، كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ، ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ، يقال : در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة . وانتصب " مدرارا " على الحال . ( وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ) أي من تحت أشجارهم ومنازلهم ، ومنه قول فرعون : " وهذه الأنهار تجري من تحتي " ( 3 ) [ الزخرف : 51 ] والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها . ( فأهلكناهم بذنوبهم ) أي بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم . ( وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) أي أوجدنا ، فليحذر هؤلاء من الاهلاك أيضا . قوله تعالى : ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ( 7 ) قوله تعالى : ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ) الآية . المعنى : ولو نزلنا يا محمد بمرأى منهم كما زعموا وطلبوا كلاما مكتوبا " في قرطاس " . وعن ابن عباس : كتابا معلقا بين السماء والأرض وهذا يبين لك أن التنزيل على وجهين ، أحدهما - على معنى نزل عليك الكتاب بمعنى نزول الملك به . والآخر - ولو نزلنا كتابا في قرطاس يمسكه الله بين السماء والأرض ،

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 324 . ( 2 ) هو معود الحكماء - معاوية بن مالك - وفي ك : نزل السماء . وهي رواية : وهذا صدر بيت له ، وتمامه * رعيناه إن كانوا غضابا * وسمى معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة : أعود مثلها الحكماء بعدي * إذا ما الحق في الحدثان نابا ( 3 ) راجع ج 16 ص 98 .